ابن عجيبة
625
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : جواب ( لولا ) : محذوف ، أي : لولا أن تفندون لقلت إنه قريب ، أو لصدقتمونى . يقول الحق جل جلاله : قال يوسف لإخوته لما عرفوه ، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة ، وقد أخذ قميصه : اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا ، روى أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار ، وقيل : ألبسه له جبريل حين خرج من النار ، وكان من ثياب الجنة ، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب ، ثم كان دفعه ليوسف ، فكان عنده في حفاظ من قصب ، وكان في عنقه في الجب ، وأمره جبريل بإرساله ، وقال : إن فيه ريح الجنة ، لا يلقى على مبتلى إلا عوفي . قال ابن عطية : وهذا كله يحتاج إلى سند ، والظاهر : أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد . وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوب ريحه من بعد ، ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة ، ويجده كل أحد . ه . قلت : وما قاله لا ينهض ؛ لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائما ؛ لأنه من أسرار الغيب ، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب ، كنور الحجر الأسود ، وغيره مما نزل من الجنة . واللّه تعالى أعلم . ثم قال لهم اذهبوا به : فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي : يرجع بصيرا ، علم ذلك بوحي ، أو تجربة من القميص ، وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ؛ نسائكم وذارريكم وأموالكم . وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ من مصر ، وخرجت من عمارتها ، قالَ أَبُوهُمْ لمن حضره : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ؛ أوجده اللّه ، ريح ما عبق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخا ؛ لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس ، ويوسف بمصر ، لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ؛ تنسبوني إلى الفند ، وهو : نقصان عقل يحدث من هرم . ولذلك لا يقال عجوز مفندة ؛ لأن نقصان عقلها ذاتي . أي : لولا أن تحمقونى لقلت إنه قريب ، أو لصدقتمونى في ذلك ، أو لولا أن تلوموني ، وتردوا علىّ قولي لقلت إنه ريح يوسف . قالُوا أي : الحاضرون : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي : إنك لفى خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف ، وإكثار ذكره ، وتوقع لقائه .